Azza Al Qubaisi, an Emirati jeweller, at work

المهاراتتجمعنا

2. عزّة القبيسي
تصميم المجوهرات

عزّة القبيسي مبدعة إماراتية رائدة في مجال تصميم وابتكار المجوهرات، وهو المجال الذي تبوّأت فيه أعلى مراتب النجاح والتألّق ولا تزال... فهي عاشقة للإبداع الذي اختارته طريق حياة، وهو ما دفعها لتشقّ دروبه الصعبة وتسعى بشكل متواصل إلى صقل الموهبة التي حباها إياها الخالق. وعلى الرغم من كل ما حققته من نجاحات فردية، إلا أن عزة آثرت أن تتخذ العطاء المستمر نهجاً لحياتها ومسيرتها، ذلك أنها لم تستأثر بالنجاح لنفسها، بل قررت أن تتشاركه مع سواها من أبناء وطنها، من أصحاب المواهب الصاعدة في مجال الفنون الحرفية والتصميم، وتجلى ذلك من خلال طرحها مبادرات ومشاريع تسلّط الضوء على هذا الجانب الحيوي في عالم الفنون التشكيلية في العاصمة، أبوظبي، وسرعان ما تحولت مبادراتها المميزة هذه إلى النافذة التي يطلّ منها هذا القطاع على العالمية. وكما هي الحال مع كل مبدع متفانٍ في عمله، سرعان ما بدأت الجوائز تتوالى عليها لتثبت تفوّقها وتشهد على صوابية خياراتها.

لا شك في أن من يخُض غمار عالم الفنون يدرك أن التحدّي الأكبر الذي يتعيّن عليه التغلّب عليه هو إقناع محيطه ومجتمعه بصواب رؤيته. وهكذا، لم يخلُ مشوار عزّة القبيسي في بداياته من المشككين في قرارها بمتابعة تحصيلها العلمي في مجال التصميم. ولكنّ شيئاً ما كان ليثني ابنة الإمارات الأصيلة عن مسعاها، أو يطفئ جذوة الطموح الذي يدفعها، لاسيما وأنها تعتبر الفن التشكيليّ بمثابة "نداء روحيّ" لا يسعها إلا أن تلبّيه. تصاميمها إبداعات، كل قطعة منها هي عبارة عن تحفة فنية نابعة من تأثرها بالبيئة المحيطة بها وتعبير عن المفاهيم والصور التي انطبعت بها نشأتها في ربوع أبوظبي عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة. إبداعات ترسلك في رحلة إلى عالم الخيال من دون أن تخرجك عن نطاق التقاليد المحلية الضاربة في الجذور. فعزّة، المتمسّكة بأصالة ماضي بلادها وعراقة تراثها، تصبو دوماً لتكون القدوة للجيل الصاعد الجديد من مصممي المجوهرات الذين تزخر بهم دولة الإمارات.

إذ تتحدث عزّة عن بداياتها في عالم الفن التشكيلي والتصميم، تقول: "بدأ اهتمامي بالابتكار والتصميم منذ نعومة أظافري، ولكنني ما كنت أدري آنذاك بأن احتراف تصميم المجوهرات يقتضي مني دراسة وتخصصاً." وهكذا ، التحقت المصممة الشابة بـ "كلية تشيلسي للفنون والتصميم" في لندن لتنتقل بعدها إلى "جامعة جيلدهال" في العاصمة البريطانية.

وتتابع: "كان والدي من هواة جمع الأحجار الكريمة، أما والدتي، فقد كانت لها تجربة في تصميم مجوهراتها بنفسها. وفي الحقيقة، عندما سنحت لي الفرصة للسفر إلى المملكة المتحدة لمتابعة تحصيلي العلمي، كان هدفي الأولي آنذاك التخصص في الدراسات البيئية".

لكن هدف عزة ما لبث أن تغيّر. وتخبر: "سرعان ما اتّضح لي أن رغبتي الحقيقية هي دخول معترك الفنون التشكيلية... فلقد وجدت فيها سعادتي."

وتضيف: "تعلّمت خلال سنوات الدراسة في "كلية تشيلسي" العمل بوسائل متنوعة وباستخدم مواد مختلفة، وأحسست آنذاك أن تصميم المجوهرات هو الخيار الأجدى بالنسبة إلي كونه يسمح لي بالتعبير عمّا يختلج في ذاتي وبالوصول إلى شريحة واسعة من أبناء مجتمعي، فمن منّا لا تحب أن ترتدي المجوهرات؟."

Azza Al Qubaisi, an Emirati jeweller, at her desk

تحصيل عزّة العلمي سرعان ما تكلل بالنجاح، وما إن عادت إلى أرض الوطن، حتى أسّست محترفاً لتصميم المجوهرات أسمته ARMJST، وهي تسمية مركّبة ذات دلالة خاصة بالنسبة إليها ومكوّنة من الأحرف الأولى من اسمها وأسماء إخوتها وأخواتها. وهكذا، خطت المبدعة الشابة خطوتها الأولى في مجال العمل، وأطلقت الشراع لسفينة الإبداع، بعزيمة ثابتة تغالب تقلّبات الظروف ومصاعب الدرب.

تروي عزة المزيد من التفاصيل عن مسيرتها الإبداعية، تقول: "في الحقيقة، فوجئ كثيرون ممّن حولي برغبتي في تصميم وابتكار المجوهرات. استغربوا قراري في خوض هذا المجال. فاستحسان المجوهرات يعتمد بشكل أساسي على الذوق الشخصي ولم يكن من السهل على الناس الابتعاد عمّا ألفوه."

وتضيف: "الاتجاه السائد في الماضي كان يركّز على ارتداء الماركات المعروفة والألماس حتى ولو لم تكن القطعة أصلية في بعض الأحيان. أما اليوم، فنجد أن الأذواق اختلفت، وبدأ الجمهور يتّجه نحو طلب القطع المفصّلة حسب الطلب، بما يساعد كل شخص على التميّز وإبراز فرادته."

خلال فترة وجيزة، بدأت مجموعات ابتكارات عزة القبيسي الاستثنائية تستقطب الاهتمام شيئاً فشيئاً، لاسيما تلك المتمحورة حول الطبيعة والتقاليد، نذكر منها" مجموعة "مارين سيمفوني" أو "سيمفونية البحار" المستوحاة من عالم البحار والمصنوعة باستخدام تقنية قديمة تقليدية تقوم على نقش الأشكال والخطوط الدقيقة التي تتّسم بها المخلوقات البحرية على القلادات والخواتم. أيضاً، لاقت مجموعتها "دموع الملائكة" رواجاً كبيراً لما تضمّنته من رموز وإشارات مستقاة من العلاقة الوطيدة التي تشكّلت بين شعب دولة الإمارات والبحر والصيد. هنا، تقول عزّة: "بدأت نظرة الناس إلى عملي تتغير عندما أقمت أوّل معارضي في أبوظبي في سنة 2004، حيث رأوا القيمة في ما أقدّمه."

Azza Al Qubaisi, an Emirati jeweller, filing an object

لم تخبُ حماسة عزّة مع مرور الوقت والنجاحات المتتالية، فهي لا تزال تشرف بذاتها على أدق تفاصيل العمل من وضع الرسوم إلى صنع النماذج الأولية، وصولاً إلى مرحلة الإنتاج النهائي. كما وأنها لا تحصر ابتكاراتها بمادة دون أخرى، وعن ذلك تقول: "أستخدم مجموعة واسعة من المواد في عملي، من الألماس والذهب والفضة وصولا إلى الإسفلت والجلد، فأنا لا أعلّق الأهمية على قيمة القطعة بقدر ما أركّز على التعبير الذي أسعى إلى نقله للناس من خلالها."

"القصة التي تعبّر عنها القطعة هي أهمّ ما فيها".

ومن قصة نجاح إلى أخرى، انطلقت عزّة القبيسي لتؤسس مشروعها الرائد الذي حمل عنوان: "صُنع في الإمارات"، وهو مبادرة تسعى للتركيز على تطوير الصناعات الحرفية واليدوية والتصاميم المبتكرة محلياً. أما محطتها التالية، فتمثّلت في افتتاح صالة عرض فنية أطلقت عليها اسم: "فويس جاليري". ما لبثت اخبارها أن أصبحت على كل شفة ولسان، فاختارها "المجلس الثقافي البريطاني" سنة 2011 كأفضل رائدة أعمال إماراتية شابة في مجال الأزياء والتصميم، هذا إلى جانب تصدّرها قائمة أهمّ الشخصيات النسائية الإماراتية تقديراً لمسيرتها الحافلة بالمساهمات القيّمة الجمّة للمجتمع إلى جانب تألقها في مجال الأعمال. وهي ترى أن ذلك التقدير كان المحطة الأساسية في مشوارها، وتعتبره "جائزة حقيقية ذات مغزى كبير".

Ear rings by Azza Al Qubaisi

لم يُبهر وهج النجاح عزّة أو يدفعها إلى حدّ إغفال ثقافتها، لا بل أنه شدّها أكثر إليها، موطّداً الأواصر المتينة التي تربطها بتراثها والتي زرعت في نفسها بذور الخير والعطاء المعروفة عن أبناء ديارها. ولم يتوقف عطاء عزة عند التصميم والابتكار فقط، بل امتدّ منه ليشمل رعاية وتدريب المواهب الصاعدة أيضاً، فأسست في سنة 2011 مبادرة "لمسة إبداع" وهي كناية عن مشغل في أبوظبي يضمّ تحت سقفه شباناً وشابات إماراتيين من أصحاب الموهبة في مجال التصميم ويوفر لهم التوجيه والإرشاد والفرصة لصقل مهاراتهم وتنميتها.

"القصة التي تعبّر عنها القطعة هي أهمّ ما فيها.، وأنا أنظر إلى كل ابتكار من ابتكاراتي وإلى كل منحوتة من منحوتاتي على أنها تحفة فنية."

أما الإلهام، فتستمده عزة القبيسي من بيئتها ومحيطها، بحيث تنهل منهما بقدر ما تريد. تقول: "أبحث منذ البداية عن طرق للتعبير عما يختلج في ذاتي، فبالنسبة إلي، ينصبّ تركيزي بالدرجة الأولى على البيئة المحيطة بي وعلى نقل التوازن الدقيق الذي نجده في الطبيعة." وتتابع: "أسعى لابتكار قطع وتصاميم معبّرة وذات مغزى وخلفية تستطيع أن تغيّر مفهوم المجوهرات في أذهان الناس، وتفتح أعينهم على الدقة والإبداع الموجودين في العالم."

"تتمحور إحدى مجموعاتي حول موضع العود، وهي أكثر المجموعات رواجاً وتأثيراً. طبعاً، لم يكن ارتداء خشب العود مقبولاً أو رائجاً، فكان أن شكّلت المجموعة صدمة لدى الجمهور عندما عرضتها للمرة الأولى، ولكنها كانت صدمة إيجابية نوعاً ما. وما زلت أذكر السرور الذي ارتسم على وجه السيدة التي ابتاعت أول قطعة من تلك المجموعة، بحيث بدت وكأنها لم تصدّق أن العود يمكن أن يتحوّل إلى قطعة مجوهرات."

"وضعت نفسي أمام التحدي، لأنني أردت من خلال تلك الابتكارات أن أروي قصة العود المرغوب في ثقافتنا بسبب طيب عطره. كان العود في السابق مادة متوفرة بأسعار معقولة، أما اليوم، فقد ارتفعت قيمته بشكل كبير، وهذا نوع القصص التي أرغب في نقلها من خلال ابتكاراتي، أملاً في تحريك المشاعر حيال موضوعها وتسليط الضوء على جوهرها."

تتنوّع إبداعات المصممة عزة القبيسي لتشمل المسابح الخلابة المنقوشة من عظام النوق إلى القلادات الفريدة المصنوعة من قوارير البخور، كما وتتنوّع المواد التي تطوّعها لابتكار تصاميمها لتضمّ الصدف الأحفوريّ، وقطع الحديد الصدئ، والفولاذ، والذهب، والفضّة، وحتى الماس.

هذا ما يعزز رسالتها إلى الشباب الإماراتي فتحثّه على المشاركة في مسابقة المهارات العالمية أبوظبي 2017 التي تراها بمثابة فرصة ثمينة وفريدة لاختبار المهارات والمهن على اختلاقها وليطأوا الخطوة الأولى على درب العمل في المجالات التي تستهويهم.

وفي هذا السياق تقول: "في رأيي، أن على كلّ امرء أن يلتفت إلى ما بداخله وأن يتطلّع إلى ما تكتنزه ذاته من أهواء وتطلعات لكي يكشف النقاب عمّا يستهويه حقاً وعمّا يبعث في نفسه الفرح والسعادة، فهذا هو النداء الذي عليه أن يلبّيه وهو ما يضمن له النجاح والتألق. ومن هنا، أدعو كل شاب وشابة إلى لتجربة المهارات والتعرّف إليها عن كثب ليجد كل منهم ما يناسبه ويتلاءم مع تطلعاته. وأحثّهم للمشاركة في الفعالية ومخاطبة الناس والتعرف إليهم فهذا جزء أساسي من مرحلة التعلّم والاستكشاف. مسابقة المهارات العالمية تمثّل فرصة استثنائية لم يحظَ بها أبناء جيلي، وهذا النوع من الفعاليات الضخمة يتيح فرصاً هائلة أمام أجيال المستقبل لتحقيق ذاتهم".

"ثمة فرص هائلة متاحة أمام الشباب في دولتنا اليوم، وهي متوفرة بشكل واسع وأكثر من أي وقت مضى. لا يمكننا جميعاً أن نعمل في المجال عينه، فالتنوّع ضروري، ولذا، ينبغي على كل منا أن يكتشف دربه ونداء روحه. إنه لواجب على كل فرد منا أن يقدّر المهارات التي وهبه إياها الخالق وأن يبني عليها ويطوّرها".

ما هي المهارات التي تستهويك؟